شيخ الزيتونة يحطم امال امال قرامي




المعروفون في لحن القول
تشهد بلادنا من حين إلى آخر تبادل المواقع في الظهور في وسائل الإعلام -المرئية بالخصوص- لثلة من مثقفينا في الجامعة التونسية، جلّهم من قسم الحضارة العربية، ليس لهم من همّ يحملونه إلاّ التشكيك في قيمنا الإسلاميّة، والوقوف بالمساندة والتبرير لكلّ رذيلة تحت شعار الحريّة الشخصيّة، باستعمال جدل سفسطائي، غايته تأويلات بعيدة، مجانبة لمقاصد الدين وقيمه الفطرية. وماطالعتنا آمال قرامي ليس-مما صدّرت به كلامي- ببعيد فقد ادّعت أنّه لايوجد أحكام لتجريم "المثليّة الجنسية" في القرآن مشيرة إلى أن الأحكام المتداولة من رمي من الجبال وحرق، هي فقط اجتهادات.
هذا الكلام، فيه تقريران أوّلها باطل، والآخر حق، أمّا الأوّل الذي تعسّفت فيه فقولها إنّه لا توجد أحكام لتجريم المثلية الجنسية في القرآن، وأمّا الثّاني الذي أصابت فيه، فهو أنّ أحكام العقوبات المقرّرة في هذه الرّذيلة هي من قبيل الاجتهاد، ولكن لمّا بني صدق كلامها الأخير، على كذب كلامها الأوّل، صاركلّ كلامها باطلا، وقديما قال المناطقة "مابني على باطل فهو باطل"، وتقوم هذه المقابلة على مغالطة فاضحة، وهو أنّ القرآن ليس فيه حكم مقرّر لعقوبة المثلية الجنسية، لتخلص بعد ذلك إلى تقرير أمر خطير، وهو خلوّ القرآن من تجريم هذا الفعل وتبشيعه لإعطاء نوع من الحريّة الشخصية في ممارسة رذيلة "اللّواطة" أو كما أصبحت تنعت "بالمثلية الجنسية".
هذه الدكتورة ومن لفّ لفّها يحملون مشروع الهدم التدريجيّ للقيم الإسلاميّة.
أقول لها:إنّ فصل مابيني وبينك، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي وصف فيه ربّ العزّة نبيّه صلّى الله عليه وسلم بقوله "يتبعون الرّسول، النّبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيّبات ويحرم عليهم الخبائث" ( سورة الأعراف 157).
فجعل سبحانه الطيبات من المعروف وأمر بها وأحلّها، وجعل الخبائث من المنكر ونهى عنها وحرّمها.
كما ميّز الله الخبيث من الطيّب، فقال :"ليميز الله الخبيث من الطيّب"(سورة الأنفال:37) وتمييزه بين النوعين، دلالة على أنّهما ليسا سواء، بل نفى في آية أخرى التسوية بينهما بصريح العبارة فقال:"قل لايستوي الخبيث والطيّب ولوأعجبك كثرة الخبيث" (سورة المائدة 100) وضرب الله مثلا للكلمة الطيّبة وآخر للكلمة الخبيثة فقال:"ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها، ويضرب الله الأمثال للنّاس لعلّهم يتذكّرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض مالها من قرار....."(سورة ابراهيم 25-26) وينبني على هذا المعنى المقرّر من التفرقة بين الطيّب والخبيث في كتاب الله، مدح الطيّب بإباحته ومدح فاعليه، وذمّ الخبيث بالنّهي عنه وذمّ فاعليه وكلّ هذه أحكام شرعيّة فليس حكم الله في كتابه فقط ما نصّ على عقوبته، فما جاء في كتابه عزّ وجلّ من مدح أو ذم للشيئ وما جاء من حلّ أو حرمة أو إباحة هي صفات للأحكام.
فيامن تعلّقت بالآمال الموهومة، أسألك هل أنّ "المثليّة الجنسيّة" في عرف الشرع وفي معهود الناس سيّئة أم حسنة، وخبيثة أم طيّبة، فإن قلت حسنة فقد سفّهت الشرع والمعهود عند الناس، وإن قلت سيّئة، فقد سفّهت نفسك، أن تناقضت وأبطلت ماادّعيته من أنّ القرآن ليس له حكم في "تجريم اللّواطة".
والدليل على التجريم والتقبيح، آيات كثيرة منها قوله تعالى، فيما يخصّ قوم لوط "إنّكم لتأتون الرّجال شهوة من دون النّساء بل أنتم قوم مسرفون"(سورة الأعراف 81) فوصفهم بالإسراف وهو فعل قبيح، قال تعالى:"إنّ المسرفين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربّه كفورا"(سورة الإسراء 27).
وقال أيضا:"ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرّجال شهوة من دون النّساء، بل أنتم قوم تجهلون ...." إلى قوله تعالى "وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين"(سورة النمل 54-55) وإنّما أمطرهم بالحجارة لا بالماء العذب الزّلال، وذلك لأنّ الماء لا يطهّرهم.
وقد وصف الله تعالى هذه القرية بأنّها كانت تعمل الخبائث ولذلك استحقّت العقاب الشديد، قال الإمام علي -رضي الله عنه- ما عوقبت أمّة من الأمم بمثل ماعوقب به قوم لوط، طمس الله على أعينهم وجعل سافل الأرض عاليها، وأمطر عليها حجارة من سجّيل، ولهذا المغزى اجتهد العلماء في إيقاع أقصى العقوبة على هؤلاء الشواذ جنسيا.
وكان الأولى بك أن تساندي"التجريم" لأنّ ذلك من شيم القيم الإنسانيّة، بل كان عليك أن تقفي ضدّ هذه الفوضى الجنسيّة المدمّرة، كما فعل ذلك كثير من النّساء في فرنسا وغيرها من بلدان العالم برجم مثليين بأحذيتهنّ ومايملكن في أيديهنّ تعبيرا عن غضبهنّ من هذه الممارسة الجنسيّة المعارضة للفطرة المنافية للقيم الفاضلة.
إنّ إدّعاءك أنّ القرآن لم يجرّم هذا الفعل الشنيع ولم يعاقب عليه ولم يقبّحه، تمرير لحلّية اللّواطة، وتبرير لفعلها، وهذا الموقف يجعلك في حرج مع نفسك قبل حرجك مع القيم الدّينية بصفة عامّة، وهو كيف حالك وحال النّساء معك إذا انخرط الرّجال في هذه "المنظومة المثليّة"، فليس لك ولهنّ إلاّ الوحدة والعزلة والحرمان الجنسي القاتل في أديرة الرهبانيّة الجديدة
لقد تفطّن نساء العالم من غير المسلمات إلى أنّ هذه المثليّة الجنسيّة هي تدمير لحياة المرأة ولمقوّماتها الشخصية فقمن بالاحتجاج والتعبير عن سخطهنّ على ذلك، في حين غاب هذا الأمر عن أستاذة الحضارة لتبشر بمرحلة جديدة وهي عصر "الهمجيّة الجنسيّة".
الدكتور هشام قريسة
جامعة الزيتونة